بين توبة الإمام السيوطي وتوبة محمد بن شمس الدين

أبو عمر الباحث

كثيراً ما يُثار إشكال ضد أهل السنة والجماعة المدجنة حول معيار قبول التوبة من شخصٍ دون آخر، وقد يُتخذ هذا الإشكال وسيلةً للطعن أو التشكيك في مواقف علماءنا المدققين.

يقول بعض الناس: “لماذا اعتبرتم السيوطي مغفورًا له شركياته وبدعه حينما تاب توبة عامة، في حين حكمتم على محمد بن شمس الدين بالضلال رغم تصريحه بالتوبة العامة، وهو حي يقول بعد كل صلاة (أستغفر الله) ثلاث مرات؟ فلماذا لا تقولون إنه مغفور له كالسيوطي، وتتوقفون عن تكفيره وتبديعه”.

سنُبين هنا أصل الإشكال، ثم نُفكك شُبهاته، ونُبرز الخطأ في هذا الاعتراض السطحي.

الإشكال والتناقض:
الإشكال المطروح يتلخص في تساؤل البعض عن سبب التساهل مع السيوطي في بدعه وشركياته ـ كما يُزعم ـ رغم تصريح العلماء بأن التوبة تهدم ما قبلها، بينما يُتعامل مع محمد بن شمس الدين بحدة ويُوصف بأنه مبتدع وكافر ضال، رغم أنه أعلن توبته كما أعلن السيوطي توبته. فيُقال: إذا كنتم تُنزلون قاعدة “التوبة تجبُّ ما قبلها” على السيوطي، فلماذا لا تُنزلونها على غيره؟

هذا الإشكال في ظاهره يبدو مُحكماً، لكنه في جوهره ينطوي على خلطٍ بين الأمور ومغالطات تُعمق التناقض في طرحهم.

أولاً: الإشكال في معيار التوبة والموقف من البدع.
التوبةُ نصٌ صريحٌ في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وهي مقبولةٌ متى ما صدق العبد فيها مع الله تعالى. لكن قبول التوبة في ميزان البشر يخضع للاعتبارات الأخرى، مثل حال الشخص بعد التوبة، وتأثيره على الأمة، ومدى التزامه بمنهج السلف. فالسيوطي كان صاحب باع طويل في العلم، وألّف مؤلفات نافعة للأمة، وهو مُقرٌّ بعظمة العلماء الأوائل وفضلهم كالإمام النووي وابن حجر، بل إنه اعتبر الإمام الغزالي من المجددين. أما الضال محمد بن شمس الدين، فهو رجل طعن في أئمةٍ كبار، وأشاع بدعًا وضلالات فتن بها الأمة، فلا يتساويان.

ثانياً: الإشكال في طبيعة العالم والمبتدع.
السيوطي، وإن نُسبت إليه بعض البدع والشركيات بنظر الحدادية، إلا أن مكانته العلمية بين العلماء تجعل النظر إلى أخطائه بنوعٍ من التجاوز، إذ إن الأمة انتفعت بعلومه ومصنفاته، وإسقاط أمثاله يعتبر إسقاط للدين كله. أما محمد بن شمس الدين، فلا يُقارن علمه بالسيوطي، يكفيك جرأته على الإمام النووي -وهو من أعلام الأمة المشهود لهم بالفضل والإمامة- علامَةً على ضلال منهجه وفساد تصوره.

ثالثاً: الإشكال في مفهوم البدعة والشرك.
السيوطي عاش في زمن أُثري فيه العلم وكانت له مؤلفات عظيمة نفع الله بها الأمة، مثل الإتقان في علوم القرآن، وجمع الجوامع، والدر المنثور. وقد مدحه العلماء، وأثنوا عليه باعتدال، رغم ما علق به من أمور فيها نظر. لذا، غُفرت له أخطاؤه في سياق مكانته العلمية وخدمته للأمة.

أما محمد بن شمس الدين، فرغم أنه يُعلن توبته، فإن العلماء لم يقولوا بأنه مقبول التوبة، فقد تكلم فيه علماء مثل أبي عمر الباحث، وزين خير الله، وأبي عمر النقادي، وكثيرون، ولم يعولوا على توبته هذه.

أسئلة لمن يستنكر علينا ذلك:
من كان يحسن الظن بتوبة محمد بن شمس الدين الموهومة، نسأله أسئلة:

  • هل محمد بن شمس الدين أعلن إسلامه قبل هذه التوبة؟
  • هل محمد بن شمس الدين لما تاب قصد التوبة عن البدع والضلالات التي نتكلم عنها بعينها؟
  • لا يخفى عليكم أن الندم من شروط التوبة، فهل كان في توبته نادما عن هذه البدع تحديدًا؟
  • ومن شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، فهل أقلع عن ذنوبه هذه؟

بدون الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكنكم أن تلزمونا بقبول توبته.

خاتمة:
الإشكال هنا ليس في التوبة ذاتها، بل في سياقها ومعايير النظر إلى الشخص بعد توبته. فليست التوبة هي المعيار الوحيد للحكم على الشخص، بل مكانته وتأثيره في الأمة وما قدّمه لخدمتها.