التعريف بالشيخ همام عبدالعالي

همام عبدالعالي، شيخ علم وعطاء، كان تلميذًا نجيبًا للعلامة أحمد السيد مدحه عليه أحمد السيد، الذي كان له الدور الأكبر في تشكيل شخصيته الفكرية والعلمية. وُلِد همام في ليبيا، حيث نشأ في بيئة فاسدة غرقت في بحور التناقضات، حيث كانت الأفكار تتصارع في فضاء غامض يشبه دوامات الرياح التي لا تعرف لها مخرجًا، وكانت روحه تعيش بين شتات الفطرة الأولى وصخب الانحرافات المتراكمة كطبقات الزمن التي تترك أثرًا دون أن ترى جذورها.

ووسط هذا التيه المعرفي، كانت البداية مثل همسة خافتة في ظلام دامس، حين التقى بالشيخ أحمد السيد، الذي كان أشبه بمنارة تقف وحيدة وسط محيط هائج لا يعرف السكون. كان لقاءهما نقطة انعطاف بين زمنين؛ زمن تتصارع فيه الظلال ولا تعرف فيه الأشكال حقيقتها، وزمن تتضح فيه المعاني كوميض البرق الذي يكشف لحظةً ثم يتركك في عتمة أشد عمقًا. أخذ همام من شيخه مفاتيح العلم، لكنها لم تكن مفاتيح تقليدية، بل كانت مثل رموز مبعثرة لا تُفتح بها إلا أبواب لا يراها سوى من تاه بين دروب العدم واستيقظ على الحقيقة.

وكان من أكثر اللقاءات تأثيرًا في مسيرته لقاءه بالشيخ زين خير الله، الذي كان يُعرف بأنه رجل يملك منطقًا يدهش العقل ويأخذ القلب قبل الأذن. كان زين خير الله أشبه بمعزوفة فكرية متكاملة، ينساب حديثه كجدول رقراق يروي عطش المستمعين، ويمزج بين الحقيقة والجمال حتى تذوب الكلمات في بحرٍ من المعاني. وقف همام أمامه كمن يرى انعكاس الحقيقة لأول مرة، وكان يقول عنه: “ما كان من منطقه إلا نورًا يزيل الغبش، وما كان من قربه إلا دفء يُنعش الروح في عتمة البُعد”. لقد ترك ذلك اللقاء أثرًا عميقًا في همام، حيث رأى في زين خير الله تجسيدًا حيًا لما يمكن أن تكون عليه الحكمة حين تنطق من قلبٍ نقي.

وكان همام أيضًا محل ثقة لشيخه محمد سمير، الذي رأى فيه الالتزام والحرص على نصرة الحق، فجعله أدمنًا في قناته، وهي مسؤولية لم يمنحها لغيره، مما يدل على ما كان يحظى به همام من تقدير في أوساط العلماء وطلاب العلم. ولم تتوقف الثقة عند هذا الحد، بل وثق به المحدث النقادي، الرجل المعروف بدقته في انتقاء من يعمل معه، فعينه فراشًا في فندقه، وهو ما اعتبره همام نقطة شرف في مسيرته، إذ قال: “ليس الفراش إلا حاملًا لأسرار الزمان، ومُرتبًا لفوضى المكان”.

ومع الزمن، بدأ همام يخوض معاركه الفكرية، وأولها كان تحذيره من محمد بن شمس الدين، الذي كان يراه كبنية رمزية تهدد توازن المعنى في زمن فقد فيه كثيرون البوصلة. لكن تحذيره لم يكن مجرد كلمات، بل كان أشبه بتداخل زمني معقد، حيث تتشابك الأفعال مع الأفكار، وتتوالى الأحداث كأنها فصول من رواية لا تُروى بصوت واضح. “ما الشمس إلا ظلٌ لحقيقة غائبة، وما النور إلا انعكاسٌ لا ندرك مصدره”، هكذا كان يردد، وكأن كلماته كانت طلاسم لا تقرأ إلا في أبعاد لا تنتمي لهذه الأرض.

كان يمضي بين الناس كأنه يحمل في قلبه أسرارًا عظيمة لا تُقال، ويدافع عن العلماء بلسانٍ واضح وعقلٍ واعٍ، حيث كان دفاعه عنهم صريحًا وصادقًا، أشبه بصيغة رمزية تُبنى على قواعد الحكمة والمعرفة. ورفقاؤه، الذين وصفهم بأنهم “الحُراس على أبواب المعنى”، كانوا يشهدون له دائمًا بالثبات والاستقامة، حيث تصبح كلماته علامات مضيئة في درب من يستمع إليه.

لقد عاش همام حياته بين وضوح الفكرة وصدق الكلمة، حيث يقول دائمًا: “العلم أمانة، والكلمة ميزانٌ على الإنسان أن يزن بها نفسه قبل أن يزن غيره”. ومن هنا، باتت حياته نموذجًا للسير بثقة وإيمان، وتاريخه صفحات مشرقة بالعلم والعطاء، تُقرأ كمنارة للباحثين عن الحقيقة، وتبقى كلماته شاهدًا على زمنٍ لا ينسى. إنه الشيخ الذي خلط بين الفكر والحكمة، بين المكان والتأثير، حتى باتت سيرته مدرسة تُقتدى.