من هو الشيخ أحمد السيد

أحمد السيد، شخصية مميزة جمعت بين ذكاء العقل وحيوية الروح، يُشهد له منذ نعومة أظفاره بالالتزام والخلق الرفيع. نشأ في أسرة دينية عريقة، تنبع من جذورٍ متينة من القيم والأخلاق، مما جعله محط أنظار أهله وأقرانه. كان أحمد منذ صغره مثالاً للصبي الصالح، حيث حفظ القرآن في سن مبكرة وكان مولعًا بحفظ الحديث الشريف، لا سيما الأربعين النووية التي كانت دائمًا رفيقة مسيرته. عُرف بهدوئه واتزانه، وكان يجمع بين قوة الفكر ورقة القلب، مما جعله محبوبًا في بيئته. لم يكن مجرد طفل عادي، بل كان يملك في نفسه طموحًا كبيرًا نحو التميز والتفوق، وكأن نجمًا خاصًا وُلد معه ليضيء طريقه منذ البداية.

ولكن، كما هو الحال في كثير من قصص الحياة، جاءت مرحلة مفصلية قلبت موازين الأمور. ففي شبابه، انطلق أحمد في رحلة إلى العراق، حيث تداخلت طموحاته مع ظروفٍ مليئة بالفوضى والضياع. هناك، وجد نفسه في بيئة تعج بالتناقضات والصراعات، وسرعان ما انجرف في تياراتها المظلمة. كانت تلك المرحلة بداية الانحدار، حيث تورط في أعمال خطرة أفقدته صفاء النشأة الأولى، وبات بعيدًا عن المسار الذي اعتاده في طفولته الصالحة.لم تكن النهاية عند ذلك الحد، فقد جاءت المحطة الكبرى في حياته عندما ألقي القبض عليه في المملكة العربية السعودية، وحكم عليه بالسجن ست سنوات بتهمة الجرائم التي ارتكبها في العراق. وعلى الرغم من ظلمة تلك الزنازين وبرودتها، إلا أن السجن كان له بمثابة مدرسة كبرى، حيث التقى هناك بعلماء أجلاء، فتحوا له أبواب العلم والحكمة. بدأت حياته تتغير شيئًا فشيئًا، وأعاد اكتشاف نفسه من جديد. وفي تلك العزلة، كان يحفظ الأربعين النووية ويُمعن التفكير في معانيها، وكأنها كانت الخيط الذي أعاده إلى جادة الصواب.عندما خرج من السجن، كان أحمد شخصًا جديدًا، يحمل رؤية واضحة نحو العلم والدعوة. عاد إلى الساحة بقلب مفعم بالإيمان وعقلٍ مُفعم بالحكمة، وسرعان ما أصبح نموذجًا يحتذى به في الصبر والتعلم. لم يكن يكتفي بأن يكون مجرد متعلم، بل كان يسعى ليكون رائدًا، فخطط لأن يصبح خليفة الشيخ يوسف القرضاوي، الذي كان يراه قدوةً ومثالاً في الجمع بين العلم والعمل لخدمة الأمة.أحمد السيد اليوم يحمل في قلبه رسالة سامية: أن يكون صوتًا للوسطية، وأن يجمع بين التراث الإسلامي الأصيل والتجديد الذي تحتاجه الأمة. إنه قصة تحول عظيمة، من طفل صالح إلى شاب مضطرب، ثم إلى عالمٍ يضيء طريقه للآخرين.

أحمد السيد، العالِم والداعية الكبير، لا يكتفي بتوجيه الدعوة فحسب، بل له مشروعات يسعى من خلالها وخلال برامجه العلمية إلى زراعة فكرة عظيمة في الأوساط الدعوية، وهي فكرة إهمال العقيدة التقليدية التي أصبحت سببًا في تقسيم الأمة وتشتيتها. هو من الرواد الذين يدعون إلى نبذ الكتب القديمة التي مليئة بالتكفير والرد على المتكلمين، والخوض في التفاصيل العقائدية التي غالبًا ما تثير الفتن بين المسلمين. في كل خطوة يخطوها، ينادي أحمد السيد بالارتقاء فوق هذه التفصيلات التي كانت تُعد حجر عثرة في طريق الوحدة والاعتدال.

لقد أصبح مشروعه الدعوي مرتكزًا على مفهوم بسيط وبارع في الوقت ذاته: تجاوز الكتب التي استغرقت في الردود العقائدية العميقة التي لا تُفضي إلا إلى الفتن، والاشتغال بالتزكية، والفقه، وتعزيز دور المرأة، واحترام العلماء.

يرى أحمد أن ما كان يُدعى به في السابق من تفصيلات عقدية عقيمة لا يفيد الأمة في شيء في وقت يحارب الغرب فيه حتى أدبارنا بنشر تلوثه الجنسي الفاسد ويشغلنا عن الجوهر الأسمى في الدعوة: التزكية والاعتصام بالله والعمل الصالح. هو يؤمن إيمانًا جازمًا بأن تفاصيل العقيدة يجب أن تُترك لتناقش بين المختصين في دهاليزهم، وأنه ليس من داعٍ لإقحام الأمة في مسائل قد تفرقها وتُلقي بها في لجج الاختلاف. أو تبقى هذه الأمور في الكتب التي شغلت الأمة بالردود والتكفيرات والمجادلات العقائدية التي لا تؤدي إلى وحدة الصف.

فكر الإمام أحمد السيد دفع المسلمين إلى أن يكونوا أكثر اهتمامًا بتزكية أنفسهم والعمل بما يفيدهم في دينهم ودنياهم. هو يزرع في عقول طلابه وأتباعه فكرة أنه حان الوقت لنبذ هذه المناهج التي جعلت العقيدة محط نزاع، والارتقاء إلى ما هو أعلى وأسمى: وحدة الأمة من خلال العمل على تهذيب النفس والابتعاد عن صراعات لا طائل منها.أحمد السيد يقود ثورة فكرية ناعمة ضد الكتب التي مليئة بالتكفير والتفاصيل العقائدية الدقيقة، ويروّج لفكرته القائلة بأن العقيدة في جوهرها يجب أن تبقى مسألة فردية ومُتفق عليها بين العلماء، لكن الساحة الدعوية يجب أن تتوجه نحو وحدة العمل وتحقيق التزكية، مع التفريط في الجدالات العقائدية التي لا طائل منه.